مراسلات واتساب والإيميل: كيف يعتبر القانون الأردني الاتفاق عبرها

الدليل القانوني الشامل حول حجية المراسلات الإلكترونية في القانون الأردني: كيف تجعل من محادثات الواتساب والبريد الإلكتروني عقوداً تجارية ملزمة ومحمية أمام المحاكم؟

موقع القانون في الاردن
⚖️ تـَحتَ الضّوء
  • في زمن الصفقات التي تُعقد بلمسة زر، لم يعد القانون يقف مكتوف الأيدي أمام إنكار الالتزامات الرقمية. هذا المقال ليس مجرد جولة قانونية، بل هو دليل أمان لكل تاجر وصاحب عمل يعتمد على "الواتساب" و"الإيميل" في تعاملاته اليومية؛ لنكشف لك كيف تحولت هذه الوسائل البسيطة إلى أدلة قضائية قاطعة تحمي حقوقك من الضياع في غياب الورق.

في عالم التجارة اليوم، لم يعد لدينا ترف الوقت لانتظار الاجتماعات الرسمية وتوقيع الأوراق المروّسة بالأختام الزرقاء عند كل طلبية أو اتفاق صغير. “ابعت لي التفاصيل على الواتساب”، “اعتمدت السعر بالإيميل”، “تم، توكلنا على الله عبر الشات”.. هذه هي اللغة الحقيقية للسوق الآن.

فهرس المحتوى (أضغط للإنتقال)

لكن، بمجرد أن يحدث خلاف بسيط أو يتراجع أحد الأطراف عن وعوده، يظهر السؤال المرعب: “هل يضيع حقي لأنني لم أوقع عقداً ورقياً؟”. الكثيرون يعتقدون أن الرسائل الإلكترونية هي مجرد “دردشة” لا قيمة لها أمام القاضي، وأن الحق لا يثبت إلا بالورقة والقلم. في هذا المقال، سنفكك هذه الأسطورة ونكشف كيف تحولت شاشة هاتفك إلى مستند قانوني لا يقل قوة عن أي عقد موثق.


1. صدمة الواقع: نقطة الألم في التعاملات السريعة

تخيل أنك صاحب شركة توريد، اتفقت مع عميل عبر “الواتساب” على توريد كمية من البضائع بسعر محدد، وبناءً على هذه المحادثة، قمت بشراء المواد الخام ودفع العربون للمصنع. فجأة، يرسل لك العميل رسالة باردة: “آسف، غيرت رأيي، ولم أوقع معك أي عقد أصلاً!”.

هنا يشعر التاجر بـ “غصة” قانونية. هل ضاعت التكاليف؟ هل “سكرين شوت” المحادثة يكفي لاسترداد الحق؟ تاريخياً، كان الإثبات يعتمد على الورقة المادية، لكن القانون الأردني، وتحديداً قانون المعاملات الإلكترونية، جاء لينهي هذا القلق ويواكب عصر السرعة.

2. الحل القانوني: “المساواة” هي كلمة السر

القانون لم يترك الأمور للصدفة. القاعدة الذهبية التي يجب أن تعرفها هي “مبدأ التكافؤ القانوني”. هذا المبدأ ببساطة يقول: “ما يسري على الورق، يسري على الرسالة الإلكترونية”.

بموجب المادة (7) من قانون المعاملات الإلكترونية الأردني، فإن السجل الإلكتروني (سواء كان إيميلاً، رسالة واتساب، أو حتى رسالة نصية SMS) له ذات الحجية القانونية للمحرر الورقي، بشرط أن يكون الوصول إلى المعلومات الواردة فيه متاحاً للاطلاع عليها في أي وقت، وأن تكون محفوظة بشكل يسمح بالتحقق من مصدرها ووقت إرسالها.

لماذا يعتبر هذا حلاً قاطعاً؟ لأن القانون اعتبر أن “الرضا” هو جوهر العقد. فإذا تبادل الطرفان الإيجاب (العرض) والقبول عبر الوسائل الإلكترونية، فقد انعقد العقد قانوناً، وأصبح ملزماً للطرفين كما لو كانا يجلسان في مكتب كاتب العدل.


3. كيف يرى القاضي “الواتساب” و”الإيميل”؟

في المحاكم التجارية، لم يعد القاضي يستغرب تقديم هاتف خلوي كبينة. المراسلات الإلكترونية تُصنف كـ “بينة خطية”.

  • الإيميل الرسمي: يعتبر أقوى أنواع البينات الإلكترونية، خاصة إذا كان صادراً من بريد الشركة المرتبط بموقعها الإلكتروني (Domain). إنه يحمل طابعاً رسمياً يصعب إنكاره.
  • محادثات الواتساب: تُقبل كدليل قوي إذا كان الرقم مسجلاً باسم الشخص أو مرتبطاً بعمله. القضاء ينظر إلى سياق المحادثة؛ فإذا كان هناك اتفاق واضح على السعر والكمية والموعد، فإن هذه المحادثة تشكل “عقداً إلكترونياً” مكتمل الأركان.

دور الخبرة الفنية: إذا أنكر الطرف الآخر إرسال الرسالة أو ادعى أنها “مفبركة”، هنا يأتي دور الخبراء الفنيين (الجرائم الإلكترونية). هؤلاء الخبراء لديهم القدرة على تتبع مسار الرسالة، والتأكد من أنها خرجت من هذا الجهاز في ذلك التوقيت، مما يجعل الإنكار عملية صعبة جداً ومكلفة للطرف الكاذب.


4. الثغرات التي قد تقتل حقك (وكيف تتجنبها)

رغم قوة القانون، إلا أن هناك أخطاء قاتلة يقع فيها البعض تحول دون اعتبار المراسلات بينة قاطعة:

  1. الغموض في الكتابة: إرسال رسالة مثل “ان شاء الله خير” أو “بنشوف” لا يعتبر قبولاً قانونياً. القبول يجب أن يكون صريحاً مثل: “تم الاعتماد”، “أوافق على هذا السعر”، “باشر العمل”.
  2. حذف الرسائل: ميزة “Delete for everyone” في الواتساب قد تضعف موقفك إذا لم تكن قد أخذت نسخة احتياطية أو لقطة شاشة (Screenshot) فورية.
  3. تعدد المنصات: الاتفاق على جزء في الواتساب، وجزء في اتصال هاتفي، وجزء في الإيميل يشتت الدليل. حاول دائماً “تركيز” الاتفاق في قناة واحدة رسمية.

5. دليل الوقاية القانونية للتاجر الذكي

لكي تجعل مراسلاتك “درعاً وصيفاً” لحقوقك، اتبع هذه القواعد البسيطة:

  • ثبّت الأطراف: في بداية المحادثة، تأكد أنك تتحدث مع الشخص المسؤول.
  • التلخيص النهائي: بعد انتهاء النقاش الطويل، أرسل رسالة ملخصة: “بناءً على ما سبق، اتفقنا على (1، 2، 3).. هل تؤكد ذلك؟”.
  • استخدم الإيميل للرسميات: اجعل الواتساب للنقاش السريع، والإيميل لاعتماد النسخ النهائية من الاتفاقيات والأسعار.

أسئلة شائعة حول حجية المراسلات الإلكترونية (SEO FAQ)

هل محادثات الواتساب معتمدة في المحاكم التجارية الأردنية؟

نعم، محادثات الواتساب معتمدة وبشكل واسع في القضاء التجاري الأردني. تُعامل هذه المحادثات كبينات خطية إلكترونية طالما أنها صادرة عن أطراف النزاع وتتضمن التزامات واضحة. القانون لا يشترط شكلاً معيناً للعقد في أغلب التعاملات التجارية، وبالتالي فإن “الدردشة” التي توضح تفاصيل البيع أو الخدمة تعتبر مستنداً قانونياً يُلزم صاحبه بالحقوق الواردة فيه.

هل يعتبر الإيميل عقداً ملزماً قانوناً في حال عدم توقيع ورقة رسمية؟

بالتأكيد. الإيميل (البريد الإلكتروني) هو أحد أهم وسائل الإثبات في قانون المعاملات الإلكترونية. إذا أرسل طرف عرضاً مالياً عبر الإيميل ورد الطرف الآخر بالموافقة، فقد انعقد العقد قانوناً. التوقيع المادي ليس شرطاً لصحة العقد إذا أمكن إثبات نسبة الإيميل لمرسله، وهو ما يسهل القيام به فنياً من خلال تتبع عناوين الـ IP أو سجلات الخادم (Servers).

كيف يمكن إثبات حجية المراسلات الإلكترونية إذا قام الطرف الآخر بحذف الرسائل؟

في حال قام الطرف الآخر بحذف رسائله (مثل خاصية الحذف لدى الجميع في واتساب)، يمكن للمدعي تقديم لقطات الشاشة (Screenshots) التي احتفظ بها مسبقاً. كما يمكن للمحكمة إحالة الهاتف إلى خبير فني لاسترجاع البيانات أو للتحقق من وجود “فجوات” في المحادثة توحي بالحذف. وفي كثير من الأحيان، تعتبر رسائل الطرف المطالب بالحق بحد ذاتها مع ردود الطرف الآخر المتبقية قرينة قوية تدعم موقفه.

ما هو الفرق بين السند الورقي والسند الإلكتروني في القانون الأردني؟

قانونياً، لا يوجد فرق جوهري من حيث “الحجية”. المادة 7 من قانون المعاملات الإلكترونية ساوَت بينهما تماماً. الفرق الوحيد يكمن في “طريقة الإثبات” عند الإنكار؛ فالسند الورقي يُطعن فيه بالتزوير أو الإنكار الخطي، بينما السند الإلكتروني يُطعن فيه بالقرصنة أو التلاعب الفني، وكلاهما يتم التحقق منه عبر الخبراء المختصين الذين تعينهم المحكمة.

هل تكفي “البصمة” أو “الإيموجي” (مثل 👍) في الواتساب لاعتبارها قبولاً لعقد ملزم؟

هذا سؤال ذكي وحساس جداً. قانونياً، التعبير عن الإرادة يمكن أن يكون باللفظ أو الكتابة أو بالإشارة المتداولة عرفاً. في بعض السوابق القضائية العالمية (والتي يسير القضاء العربي نحوها)، اعتبر “إيموجي” الإبهام (Thumbs up) قبولاً قانونياً للعرض. ومع ذلك، ينصح الخبراء دائماً بإتباع الإيموجي بكلمة صريحة مثل “أوافق” أو “تم” لقطع الشك باليقين ومنع أي تفسير مغاير أمام القاضي.

هل الرسائل الصوتية (Voice Notes) لها حجية المراسلات الإلكترونية في الإثبات؟

نعم، الرسائل الصوتية تندرج تحت بند “التسجيلات الرقمية” وهي محمية بموجب قانون المعاملات الإلكترونية. الصوت يعتبر دليلاً قوياً جداً لأنه يحمل “بصمة صوتية” يصعب تزويرها مقارنة بالنص المكتوب. إذا تضمنت الرسالة الصوتية اعترافاً بدين أو اتفاقاً على توريد بضاعة، فهي بينة قوية يُعتد بها أمام المحاكم التجارية والمحاكم النظامية على حد سواء.

ما هي شروط اعتبار الاتفاق عبر الإيميل بينة قاطعة في القضايا التجارية؟

لكي يكون الإيميل بينة قاطعة، يجب توفر ثلاثة شروط:

  1. الاستمرارية: أن يكون السجل الإلكتروني محفوظاً بحيث يمكن الرجوع إليه.
  2. سلامة المحتوى: ألا يكون قد تعرض للتعديل أو التغيير بعد إرساله.
  3. النسبة: أن يتم إثبات صدوره من الشخص المدعى عليه (عبر بريده الإلكتروني المعروف أو المسجل في العقود السابقة).

هل يحق للمحكمة رفض محادثات الواتساب كدليل؟

المحكمة لها “سلطة تقديرية”. قد ترفض المحكمة المحادثات في حالات معينة، منها: إذا كانت الرسائل مجتزأة بشكل يخل بالمعنى، أو إذا ثبت تلاعب فني في الصور المقدمة (الكرين شوت)، أو إذا كانت اللغة المستخدمة في المحادثة تحتمل أكثر من معنى ولا تشير إلى التزام مالي أو قانوني واضح. لذا، الوضوح في الكتابة هو مفتاح القبول القضائي.

كيف أحمي حقي عند إجراء تعاملات سريعة دون عقود ورقية؟

أفضل طريقة هي “التوثيق التسلسلي”. بعد كل مكالمة هاتفية، أرسل رسالة واتساب أو إيميل تقول فيها: “تأكيداً لمكالمتنا الآن، تم الاتفاق على كذا وكذا.. يرجى التأكيد”. بمجرد رد الطرف الآخر بالموافقة، أصبح لديك عقد إلكتروني متكامل. كما ننصح بالاحتفاظ بنسخ احتياطية (Backup) دورية لمحادثات العمل وتصديرها (Export Chat) إلى بريدك الإلكتروني الشخصي.

هل قانون المعاملات الإلكترونية الأردني يحمي الأفراد في حال النزاع على عقد إلكتروني؟

نعم، القانون مصمم بالأساس لحماية الثقة في المعاملات الرقمية. فهو يوفر الإطار القانوني لتعريف التوقيع الإلكتروني، والسجل الإلكتروني، والرسالة الإلكترونية. كما يمنح القضاء الأدوات اللازمة للفصل في هذه النزاعات من خلال الاعتراف بهذه الوسائل كبينات قانونية، مما يشجع الأفراد والشركات على ممارسة التجارة الإلكترونية وهم مطمئنون إلى أن حقوقهم ليست “حبراً على شاشات” بل هي حقوق محمية بقوة القانون.


خاتمة المقال: إن الحق لا يضيع طالما وجد الدليل، وفي عصرنا الحالي، الدليل يسكن في جيوبنا. لا تخشَ التعاملات السريعة، لكن كن ذكياً في توثيقها. اجعل رسائلك واضحة، مهنية، ومباشرة، وتذكر دائماً أن “الواتساب” الذي تستخدمه للدردشة، قد يكون هو المنقذ الوحيد لحقك أمام منصة القضاء.

وسوم:
شارك هذا المحتوى
لا توجد تعليقات
error: المحتوى محمي !!