دليل جريمة التهديد في الأردن وعقوبتها بحسب نوع التهديد

دليلك الشامل لجريمة التهديد في الأردن: من عقوبة التهديد بالقتل والسلاح إلى مكافحة الابتزاز الإلكتروني.. شرح النصوص القانونية، طرق الإثبات، وخطوات رفع الدعوى لضمان حقك

موقع القانون في الاردن
⚖️ تـَحتَ الضّوء
  • في لحظة مباغتة، قد يتحول هدوء حياتك إلى عاصفة من القلق بسبب رسالة وعيد أو اتصال مريب.. لكن تذكر دائماً، الخوف ليس قدراً محتوماً، والصمت هو ما يغذي الجريمة. القانون الأردني يقف اليوم كدرع حصين لحماية طمأنينتك، وصوت الحق دائماً أعلى من ضجيج التهديد. لا تقف وحيداً في الظل؛ استعد زمام المبادرة، فالعدالة لا تحمي إلا من يجرؤ على طرق بابها.

تُعد الحرية النفسية والشعور بالأمان من أهم الحقوق التي كفلها الدستور والقانون للإنسان. فلا تقتصر الحماية القانونية على جسد الإنسان وماله فحسب، بل تمتد لتشمل حماية سكينته واستقراره النفسي. من هنا، جاء المشرع الأردني نصوصاً حازمة في قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 وتعديلاته، وكذلك في قانون الجرائم الإلكترونية الجديد لسنة 2023، لتجريم “التهديد” بكافة أشكاله.

فهرس المحتوى (أضغط للإنتقال)

في هذا المقال المفصل، سنستعرض كل ما يتعلق بجريمة التهديد في الأردن، بدءاً من تعريفها وأركانها، مروراً بأنواعها وعقوباتها المتفاوتة، وصولاً إلى كيفية رفع الدعوى والإجابة على أكثر الأسئلة شيوعاً.


أولاً: مفهوم التهديد وفلسفة التجريم

التهديد في المفهوم القانوني هو كل فعل أو قول أو كتابة يوجهها شخص لآخر، تتضمن وعيداً بإلحاق ضرر به أو بماله أو بسمعته أو بأحد أفراد أسرته، مما يلقي الرعب في نفسه ويسلب منه شعوره بالأمن.

فلسفة التجريم هنا لا تنتظر وقوع الضرر المادي (كالضرب أو القتل فعلياً)، بل تكتفي بوقوع الضرر المعنوي المتمثل في “الإرهاب النفسي”. فالشخص المهدد يعيش في قلق وتوتر، وهذا بحد ذاته اعتداء يستوجب العقاب. والقانون الأردني يعاقب على التهديد سواء كان مباشراً وجاهياً، أو عبر الهاتف، أو مكتوباً، أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.


ثانياً: أركان جريمة التهديد

لكي تقوم جريمة التهديد ويعاقب عليها القانون، لا بد من توافر ركنين أساسيين، وهما:

1. الركن المادي (الفعل الجرمي)

يتمثل الركن المادي في صدور نشاط خارجي من الجاني يعبر عن نيته في إلحاق الأذى بالمجني عليه. يمكن أن يتخذ هذا النشاط صوراً متعددة:

  • القول: ألفاظ صريحة بالقتل، الضرب، أو الحرق.
  • الكتابة: رسائل ورقية، رسائل نصية (SMS)، أو عبر التطبيقات.
  • الإشارة والرموز: كأن يمرر الجاني يده على عنقه ملوحاً بالذبح، أو وضع صور توحي بالخطر (جمجمة، سلاح) على باب منزل الضحية.
  • استخدام السلاح: إشهار سلاح ناري أو أداة حادة، حتى لو لم يتم استخدامه فعلياً.

2. الركن المعنوي (القصد الجرمي)

وهو انصراف إرادة الجاني إلى إحداث الفزع والخوف في نفس المجني عليه. يجب أن يكون الجاني مدركاً أن ما يفعله أو يقوله سيؤدي إلى ترويع الضحية. في جرائم التهديد، لا يشترط القانون أن يكون الجاني عازماً فعلياً على تنفيذ تهديده؛ فمجرد التهديد لإخافة الضحية يكفي لقيام الجريمة وتطبيق العقوبة.


ثالثاً: أنواع وتصنيفات جريمة التهديد في قانون العقوبات الأردني

يصنف المشرع الأردني التهديد إلى جنايات وجنح بناءً على جسامة التهديد، الوسيلة المستخدمة، وما إذا كان مشروطاً أم لا.

1. التهديد بارتكاب جناية المصحوب بطلب (الجنايات)

هذا النوع هو الأخطر، وعالجه القانون بشدة في المادة (349).

  • الصورة: أن يقوم الجاني بتهديد الضحية (كتابةً أو بواسطة شخص ثالث) بارتكاب جناية (مثل القتل أو هتك العرض) إذا لم يقم الضحية بدفع مبلغ مالي أو القيام بعمل معين أو الامتناع عنه.
  • العقوبة: الأشغال المؤقتة. وتشدد العقوبة إذا كان الجاني يحمل سلاحاً، أو إذا كان التهديد واقعاً على موظف عام لإجباره على عمل غير محق.

2. التهديد باستخدام السلاح

نصت الفقرة 2 من المادة (349) على عقوبة خاصة لمن يهدد آخر بالسلاح الناري أو باستعماله.

  • الخطورة: مجرد إشهار السلاح يُعتبر شروعاً في تهديد حياة الناس، لذا فالعقوبة هنا تكون مغلظة وتصل إلى الأشغال المؤقتة، حتى لو لم يطلب الجاني مالاً.

3. التهديد بارتكاب جناية دون طلب

نصت عليه المادة (350) من قانون العقوبات.

  • الصورة: أن يهدد شخص آخر بارتكاب جناية (كالقتل أو الحرق) ولكن دون أن يطلب منه مالاً أو منفعة. مجرد التهديد “سأقتلك” أو “سأحرق منزلك”.
  • العقوبة: الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات. وتكون العقوبة أشد إذا كان التهديد مكتوباً مقارنة بالتهديد الشفوي، نظراً لما في الكتابة من إصرار وتأثير نفسي أطول أمداً.

4. التهديد بارتكاب جنحة (التهديد البسيط)

نصت عليه المادة (354) من قانون العقوبات.

  • الصورة: التهديد بإلحاق ضرر غير جسيم، أو التهديد في لحظة غضب (مشاجرة) بألفاظ مثل “سأكسر يدك” أو “سأضربك”.
  • العقوبة: الحبس لمدة لا تتجاوز أسبوعاً أو الغرامة، وتعد هذه الجريمة من المخالفات أو الجنح البسيطة إلا إذا تضمنت تفاصيل أخرى.

رابعاً: التهديد الإلكتروني (في ظل قانون الجرائم الإلكترونية 2023)

مع التطور التكنولوجي، أصبح التهديد عبر (الواتساب، فيسبوك، ماسنجر) هو الأكثر شيوعاً. هنا، ننتقل من قانون العقوبات العام إلى قانون الجرائم الإلكترونية الذي غلظ العقوبات بشكل كبير.

  • الابتزاز الإلكتروني: إذا تضمن التهديد الإلكتروني إجباراً للشخص على القيام بفعل أو الامتناع عنه (مثل: “حول لي مالاً وإلا سأنشر صورك”)، فإن العقوبة تكون الحبس والغرامة المالية المرتفعة التي قد تصل إلى آلاف الدنانير.
  • التهديد بالتشهير: التهديد بنشر معلومات خاصة أو مفبركة عبر الإنترنت يعتبر جريمة مستقلة ومغلظة، لأن أثرها الفاضح ينتشر بسرعة ويصعب تداركه.

خامساً: جدول تصنيف العقوبات (تقديري)

لتوضيح الفروقات في العقوبات حسب النصوص القانونية:

نوع التهديد التكييف القانوني العقوبة المتوقعة (حسب الظروف)
تهديد بالقتل (مكتوب) + طلب مال جناية أشغال مؤقتة (قد تصل لعدة سنوات)
تهديد بالسلاح الناري جناية/جنحة مشددة الحبس (قد يصل لسنتين أو أكثر)
تهديد بارتكاب جناية (دون طلب) جنحة الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات
تهديد إلكتروني (ابتزاز) جنحة إلكترونية حبس + غرامة (3000 – 5000 دينار)
تهديد بسيط (كلامي) مخالفة/جنحة بسيطة حبس أسبوع أو غرامة بسيطة

سادساً: إجراءات رفع دعوى التهديد في الأردن

إذا تعرضت لتهديد، يجب اتباع خطوات قانونية دقيقة لضمان حقك:

1. توثيق الأدلة فوراً

قبل الذهاب لأي جهة، قم بحفظ الأدلة:

  • لا تمسح الرسائل (واتساب، SMS).
  • قم بأخذ لقطات شاشة (Screenshots) تظهر الرقم والمحتوى.
  • إذا كان التهديد صوتياً، احتفظ بالتسجيل.
  • إذا كان التهديد وجاهياً، حاول تأمين شهود عيان.

2. تقديم الشكوى

لديك عدة خيارات حسب نوع التهديد:

  • وحدة مكافحة الجرائم الإلكترونية (البحث الجنائي): هذا هو الخيار الأفضل والأسرع في حالات التهديد عبر الإنترنت والهاتف. يمتلكون تقنيات لتتبع الحسابات الوهمية واستعادة الرسائل.
  • المركز الأمني: في حالات التهديد الوجاهي، استخدام السلاح، أو المشاجرات. يتم فتح ضبط وأخذ الإفادة وتحويل الأطراف للمحكمة.
  • المدعي العام مباشرة: يمكنك توكيل محامٍ وتسجيل شكوى مباشرة في قصر العدل لدى المدعي العام المختص، وتعتبر هذه الطريقة أكثر تنظيماً قانونياً.

3. مرحلة التحقيق والمحاكمة

  • يستمع المدعي العام لأقوال المشتكي والشهود.
  • يتم استدعاء المشتكى عليه (المتهم) والتحقيق معه.
  • إذا ثبتت الأدلة المبدئية، يتم توقيف المتهم (خاصة في حالات التهديد بالسلاح أو الابتزاز) وتحويل الملف للمحكمة المختصة (صلح جزاء أو بداية جزاء) لإصدار الحكم.

سابعاً: أدلة الإثبات في قضايا التهديد

تختلف طرق الإثبات باختلاف وسيلة التهديد:

  1. الأدلة الرقمية: تقارير المختبر الجنائي التي تثبت أن الرسالة خرجت من هاتف المتهم أو عنوان الـ (IP) الخاص به.
  2. شهادة الشهود: في التهديد الشفوي، تعتبر الشهادة الدليل الأقوى.
  3. الاعتراف: إقرار المتهم بفعلته أمام الشرطة أو المدعي العام.
  4. القرائن: وجود خلافات سابقة أو عداوة مثبتة تعزز رواية المشتكي.

ثامناً: دور المحامي في قضايا التهديد

الاستعانة بمحامٍ خبير في القضايا الجزائية أمر جوهري للطرفين:

دور المحامي للمشتكي (الضحية):

  1. يضمن تكييف القضية بشكل صحيح (مثلاً: الدفع بأن الواقعة هي “شروع بالقتل” وليست مجرد “تهديد” لتغليظ العقوبة).
  2. متابعة الشكوى لدى الجرائم الإلكترونية لضمان عدم ضياع الأدلة الفنية.
  3. تقديم الادعاء بالحق الشخصي للمطالبة بتعويض مادي عن الضرر النفسي والمعنوي.

دور المحامي للمشتكى عليه (المتهم):

  1. الدفاع عن المتهم وتفنيد الأدلة (مثلاً: إثبات أن الحساب مخترق، أو أن سكرين شوت مفبرك).
  2. العمل على إثبات “كيدية الشكوى” إذا كانت ملفقة.
  3. السعي لإجراء مصالحة وإسقاط الحق الشخصي لتخفيف العقوبة ووقف التنفيذ إن أمكن.

تاسعاً: أسئلة شائعة حول جريمة التهديد في الأردن

في هذا القسم نجيب على أهم التساؤلات، مع التركيز على الجوانب العملية:

1. هل تعتبر رسائل الواتساب دليلاً قاطعاً في جريمة التهديد في الأردن؟

نعم، وبقوة. المحاكم الأردنية تعتمد المخرجات الإلكترونية (رسائل واتساب، ماسنجر) كأدلة إثبات رئيسية، بشرط أن يتم تفريغها وتوثيقها رسمياً عن طريق المختبر الجنائي أو وحدة الجرائم الإلكترونية للتأكد من عدم تزويرها.

 

2. ما عقوبة التهديد بالقتل شفوياً دون شهود في القانون الأردني؟

إثبات التهديد الشفوي دون شهود صعب جداً. في هذه الحالة، يعتمد الأمر على قناعة القاضي والقرائن المحيطة، أو اعتراف المتهم. إذا عجز المشتكي عن الإثبات (لا شهود ولا تسجيل)، قد يطلب القاضي “اليمين الحاسمة” من المتهم، وإذا حلف أنه لم يهدد، قد يُحكم بالبراءة لعدم كفاية الأدلة.

 

3. هل يسقط الحق العام في جريمة التهديد عند إسقاط الحق الشخصي؟

يعتمد ذلك على نوع التهديد. في التهديد البسيط (الجنح)، غالباً ما يؤدي إسقاط الحق الشخصي إلى سقوط دعوى الحق العام أو تخفيف العقوبة بشكل كبير ووقف تنفيذها. أما في جنايات التهديد (مثل التهديد بالسلاح أو الابتزاز المخل بالشرف)، فإن الحق العام يبقى قائماً ولا يسقط، ولكن المحكمة قد تأخذ الإسقاط كسبب مخفف تقديري لتخفيض مدة الحبس.

 

4. تعرضت لتهديد من شخص يقيم خارج الأردن، هل يمكنني مقاضاته؟

نعم. قانون الجرائم الإلكترونية وقانون العقوبات يسريان إذا وقع أثر الجريمة داخل الأردن. يمكنك تقديم شكوى لدى وحدة الجرائم الإلكترونية، وسيقومون بمخاطبة “الإنتربول” أو الجهات القضائية في الدولة الأخرى إذا كانت هناك اتفاقيات تسليم مجرمين، أو على الأقل يتم تعميم اسمه ليقبض عليه فور دخوله الأردن (الترقب والوصول).

 

5. ما الفرق بين جريمة التهديد وجريمة الابتزاز في القانون الأردني؟

التهديد هو “التخويف” بإلحاق ضرر. أما الابتزاز فهو “تهديد مصحوب بطلب”، أي أن الجاني يستخدم التخويف وسيلة للحصول على مكسب (مالي أو جنسي أو معنوي). الابتزاز عقوبته أشد وغالباً ما يُنظر إليه كجناية أو جنحة مغلظة جداً.

 

6. هل يعاقب القانون الأردني القاصر (الحدث) على جريمة التهديد؟

نعم، ولكن لا يُحاكم أمام المحاكم النظامية، بل أمام “محكمة الأحداث”. وتكون العقوبات إصلاحية (مثل الإيداع في دار تربية وتأهيل الأحداث) وليست سجنية بالمفهوم التقليدي، وتراعي مصلحة الحدث وعمره.

 

7. ما هي عقوبة التهديد بنشر صور خاصة (فتاه/شاب)؟

هذه الجريمة تجمع بين التهديد والذم والقدح وانتهاك الخصوصية. وفق قانون الجرائم الإلكترونية الجديد، العقوبة شديدة جداً تشمل الحبس (قد يصل لـ 3 سنوات) وغرامات باهظة، لأن المشرع اعتبر حرمة الحياة الخاصة خطاً أحمر.

 

8. هل يمكن رفع قضية تهديد قديمة (مر عليها زمن)؟

يخضع ذلك لقواعد “التقادم”. في الجنح (التهديد البسيط)، تسقط دعوى الحق العام بمرور 3 سنوات من تاريخ وقوع الجريمة. أما في الجنايات، تكون المدة أطول (10 سنوات). لذا يُنصح دائماً برفع الشكوى فور وقوع التهديد.

 

9. ما دور “المحافظ” أو الحاكم الإداري في قضايا التهديد؟

في بعض الحالات، خاصة التهديد الذي يمس الأمن المجتمعي أو قضايا العشائر، قد يتم تحويل المشتكى عليه إلى الحاكم الإداري (المحافظ) لتوقيعه على “كفالة عدلية” أو فرض “الإقامة الجبرية” عليه لضمان عدم تعرضه للمشتكي، وهذا إجراء إداري وقائي يسير بالتوازي مع القضية القضائية.

 

10. هل يعتبر “البلوك” (الحظر) كافياً للحماية من جريمة التهديد الإلكتروني؟

الحظر إجراء وقائي تقني جيد، لكنه لا يحميك قانونياً ولا يعاقب الجاني الذي قد ينشئ حساباً آخر. الأصح هو توثيق الرسائل أولاً، ثم تقديم شكوى، وبعدها القيام بالحظر. اللجوء للقانون يردع الجاني عن تكرار فعله مع آخرين.


عاشراً: الخاتمة ونصيحة ختامية

إن جريمة التهديد في الأردن ليست أمراً هيناً، وهي ممارسة قد تدمر حياة الأفراد وتدخلهم في دوامة من الرعب. لقد سلح القانون الأردني المواطن والمقيم بنصوص قوية لردع كل من تسول له نفسه ترويع الآمنين.

نصيحة أخيرة: لا تستهن بأي تهديد تتلقاه، ولا تخضع للابتزاز بدفع المال، فالدفع يفتح شهية المجرم للمزيد. الطريق الأسلم والأقصر هو اللجوء للقضاء والاستعانة بمحامٍ مختص ليكون درعك القانوني في استرداد أمنك وحقك.


تنويه: هذا المقال للأغراض المعلوماتية والتثقيفية فقط ولا يعتبر بديلاً عن الاستشارة القانونية المتخصصة من محامٍ مرخص.

وسوم:
شارك هذا المحتوى
لا توجد تعليقات
error: المحتوى محمي !!